الشيخ محمد رشيد رضا
322
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قلت ) أي فرق بين قوله « فَانْظُروا » * وقوله « ثُمَّ انْظُرُوا ( قلت ) جعل النظر مسببا عن السير في قوله « فَانْظُروا » * فكأنه قيل سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله « سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا » فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وايجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح اه وقال أحمد بن المنير في الانتصاف : وأظهر من هذا التأويل ان يجعل الامر في المكانين واحدا ليكون ذلك سببا في النظر ، فحيث دخلت الفاء فلاظهار السببية وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير ، وان السير وسيلة اليه لا غير ، وشتان بين المقصود والوسيلة . واللّه أعلم اه وفي روح المعاني عن بعضهم ان التحقيق انه سبحانه قال هنا « ثُمَّ انْظُرُوا » وفي غير ما موضع « فَانْظُروا » * لان المقام هنا يقتضي « ثُمَّ » دونه في هاتيك المواضع ، وذلك لتقدم قوله تعالى فيما نحن فيه ( أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ) مع قوله سبحانه وتعالى ( وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) والأول يدل على أن الهالكين طوائف كثيرة ، والثاني يدل على أن المنشأ بعدهم أيضا كثيرون ، فيكون أمرهم بالسير دعاء لهم إلى العلم بذلك ، فيكون المراد به استقراء البلاد ، ومنازل أهل الفساد على كثرتها ، ليروا الآثار في ديار بعد ديار ، وهذا مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من التعقب الذي تقتضيه الفاء ، ولا كذلك في المواضع الاخر . انتهى قال الآلوسي بعد ايراده : ولا يخلو عن دغدغة ، واختار غير واحد ان السير متحد هناك وهنا ولكنه أمر ممتد يعطف النظر عليه بالفاء تارة نظرا إلى آخره ، وبثم أخرى نظرا إلى أوله ، وكذا شأن كل ممتد اه ما أورده الآلوسي ، والظاهر في الأخير ان يكون العطف بالفاء نظرا إلى الأول وبثم نظرا إلى الآخر عكس ما ذكره فتأمل ثم أقول : ولعل من يتأمل ما وجهنا به الكلام في تفسير الآية ، قبل النظر في هذه النكت كلها يرى أنه هو المتبادر من النظم بغير تكلف ، وانه يشبه ان يكون مستنبطا من مجموع تلك النكت ، مع زيادة عليها تقتضيها حال المخاطبين بالامر